الشيخ محمد رشيد رضا
14
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عند السيد جمال الدين يلقى الحكمة لمريدها وغير مريدها وأنا كنت أحسده على هذا لأننى تؤثر فىّ حالة المجلس والوقت فلا تتوجه نفسي للكلام إلا إذا رأيت له محلا . وهكذا الكتابة ؛ فاننى ربما أتصور أن أكتب بموضوع وعندما أوجه قواى لجمع ما يحسن كتابته تتوارد على فكرى معان كثيرة ووجوه للكلام جمة ، ثم يأتيني خاطر : لمن ألقى هذا الكلام ؟ ومن ينتفع به ؟ فأتوقف عن الكتابة . وأرى تلك المعاني التي اجتمعت عندي قد امتص بعضها بعضا حتى نلاشت ، ولا أكتب شيئا . « إن حالة المخاطب تؤثر بي جدا ، ولذلك لا أتكلم بشئ عن حالة الإسلام عندما أجتمع بهؤلاء العلماء ، لأن أفكارهم منصرفة عن ذلك بالكلية ، ولذلك لا يعملون شيئا مع سعة وقتهم . وعند قراءة التفسير كنت أتكلم على حسب حالة الحاضرين لأننى لا أطالع عندما أقرأ « 1 » لكنني ربما أتصفح كتاب تفسير إذا كان هناك وجه غريب في الاعراب أو كلمة غريبة في اللغة . فإذا حضرني جماعة من البلداء الخاملى الفكر أحلّ لهم المعنى بكلمات قليلة . وإذا كان هناك من يتنبه لما أقول ويلقى له بالا يفتح علىّ بكلام كثير ( قلت ) إن الزمان لا يخلو ممن يقدر كلام الإصلاح قدره وإن كانوا قليلين وسيزيد عددهم يوما فيوما ، فالكتابة تكون مرشدا لهم في سيرهم . وإن الكلام الحق وإن قل الآخذ به والعارف بشأنه ، لا بد أن يحفظ وينمو بمضادفة المباءة المناسبة له وهو مقتضى ناموس ( أي سنة ) الانتخاب الطبيعي ، كما حفظت ( العروة الوثقى ) فإن أوراوقها الأصلية الضعيفة قد بليت لكن ما فيها من المقالات البديعة المثال والفوائد العظيمة قد حفظت في الطروس والنفوس . الخ ولم أزل به حتى أقنعته بقراءة التفسير في الأزهر فاقتنع وبدأ بالدرس بعد ثلاثة أشهر ونصف أي في غرة المحرم سنة 1317 وانتهى منه في منتصف المحرم سنة 1323 عند تفسير قوله تعالى ( وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ) من الآية 125 من سورة النساء . فقرأ زهاء خمسة أجزاء في ست سنين ، إذ توفى لثمان خلون من جمادى الأولى منها رحمه اللّه تعالى وأثابه كانت طريقته في قراءة الدرس على مقربة مما ارتآه في كتابة التفسير ، وهو
--> ( 1 ) لعله قال : قبل أن أقرأ يعنى أنه لا يستعد لها بالمطالعة